علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
21
شرح جمل الزجاجي
يريد : في حلوقكم ، فإنّ ذلك لا يجوز إلّا في ضرورة . الجواب عن الثالث : إنّه احترز بقوله : وحرف جاء لمعنى ، من الحرف الذي لم يجئ لمعنى وهو حرف التهجي ، نحو الزاي من " زيد " . ولا يسوغ قول من قال : إنّ " جاء لمعنى " حدّ الحرف ، وزعم أنّ الذي جاء لمعنى إنّما هو الحرف ؛ فأمّا الاسم والفعل فكلّ واحد منهما جاء لمعان ، ألا ترى أنّ الاسم يدلّ على مسماه ويكون مع ذلك فاعلا ومفعولا ومجرورا إلى غير ذلك من المعاني التي تعتور الاسم ؟ وكذلك الفعل يدلّ على حدث وعلى زمان ويكون موجبا ومنفيا ومستفهما عنه ، إلى غير ذلك من المعاني التي تعتور الأفعال ، وأمّا الحرف فلا يعطي في حين واحد أكثر من معنى واحد في غيره ، فإن دلّ الحرف على معنيين فصاعدا نحو : " من " التي تكون للتبعيض ولابتداء الغاية ولاستغراق الجنس ، وما أشبهها من الحروف ، فإنّما ذلك في أوقات مختلفة ، ألا ترى أنّ الكلام الذي تكون فيه " من " مبعّضة ، لا تكون فيه لابتداء الغاية ، والاسم يدلّ في حين واحد على مسماه وعلى الفاعلية ، مثلا ، وعلى التصغير وغيره ، وكذلك الفعل يدلّ في حين واحد على الحدث والزمان والخبر والأمر والنهي ، إلى غير ذلك من المعاني . وإنّما قلنا إنّ ذلك فاسد ، لأنّ الاسم يشرك الحرف في ذلك ، ألا ترى أنّ الاسم إنّما يدل على معنى مفرد وهو المسمى ، فلذلك حدّه أبو بكر بن السراج فقال : الاسم ما دلّ على معنى مفرد غير مقترن بزمان محصّل . وأما الفاعلية والمفعولية وغير ذلك من المعاني ، فإنّما هي مفهومة من أمور تلحق الاسم كالإعراب لا من الاسم بعينه . وأيضا فلو كان أبو القاسم ، رحمه اللّه ، قصد هذا لصرّح بذلك ، فقال : حرف جاء لمعنى مفرد . وأيضا فإنّه قد حدّ الحرف بعد ذلك بأنّ معناه في غيره لا بأنّه يدلّ على معنى مفرد . وكذلك أيضا لا يسوغ قول من قال : إنّه أراد : وحرف جاء لمعنى في غيره ، فحذف " في غيره " لأنّه معلوم . فينبغي أن لا يصف الحرف بمجيئه لمعنى لأنّه إذا علم أن معناه في غيره ، فقد علم أنّه جاء لمعنى ، وأيضا فإنّه قد حدّ الحرف بعد ذلك بأنّ معناه في غيره فيكون ذلك ، على هذا ، تكرارا لا فائدة فيه . * * *